[كانت الشمس المشرقة قد أطلت من نافذة إحدى غرف البيت المتواضع الذي يقطنه شاب تجاوز العشرين من عمره مع أبيه وأمه وإخوته ، كان محمود يراوده هواجس وأحلام كثيرة بين جنبيه وكان يعرف مدى المعاناة التي يعانيها أهله والمسئولية الملقاة على كاهله فانتفض من فراشه طاردا النعاس الذي راوده ليلة أمس وانطلق خارج البيت بعد أن تناول لقيمات معدودة من الخبز اليابس والزعتر الناشف .... انطلق عله يطرد تلك الهموم أو عله يجد عملا يكون له سندا ومعينا لمساعدة أبيه المقعد و أمه العجوز وإخوته الأطفال ....
شاهد في الطرقات الأطفال الذين يمرحون ويلعبون و خطر بباله إخوته الأطفال الذين حرموا هذه المتعة أو حتى لماذا لم يتمتعوا بطفولتهم وبراءتها كهؤلاء ؟؟وظل يقلب في هذه الأفكار يمينا ويسارا حتى تجمعت هذه الخواطر واحتقن الدمع في عينيه لولا أن طردها ذلك الطفل الذي تعثر به وقطع عليه هذه الأفكار عندما فر هاربا من أصدقائه فأعتذر الطفل لمحمود الذي مسح على رأسه بكل عطف وحنان وأكمل طريقه إلى أن وصل إلى إحدى المؤسسات فعرض نفسه عليهم بما يملك من خبرات وشهادات لعله يحظى بوظيفة أو عمل مناسب لكن ذلك الصوت لم يكن ليجد صدى في هذه الآذان الصماء فخرج من هناك غضبا وعليه ملامح الأسى واليأس فاستجمع قواه وذكر الله واستعاذ بالله وتوكل على الحي القيوم وأكمل طريقه في تلك الشوارع بين الشركات والمؤسسات ويقلب بنظراته اليافطات أو الإعلانات وكأن كلمة " مطلوب موظف " هي الكنز التي يبحث عنها .........
دخل إحدى الشركات التي كانت قد طلبت في إعلان لها " مطلوب موظف " وعرض نفسه عليهم فوافقوا له على العمل شريطة أن يكون ليلا فوافق من غير تردد أو حتى مجرد تفكير .......................
رجع إلى البيت وكأنه حاز على الكنز المطلوب لكنه لم يكن يعرف حتى الآن ما طبيعة عمله أو حتى لماذا عمله ليلا ؟ لم يكترث بهذه الأسئلة كثيرا المهم أنه وجد عملا مناسبا.
دخل البيت يزف البشرى فوجده كأنه فارغ ولا حراك فيه فالسكون والهدوء يدب أركان البيت ، نادى على أمه فلم تجب فأعاد الكرة مرة أخرى فلم تجب فنادى على أبيه أيضا لم يجب ...... أحس أن هناك ثمة شيء قد حدث وجعلت دقات قلبه تزداد وصعد إلى الدور الأعلى ينادي على أهله وإخوته فلم يرد عليه أحد فعاد للأسفل ونادى مرارا وتكرارا ولا حياة لمن تنادي، جلس وأخذ يقلب في رأسه احتمالات وأفكار " هل يعقل أن يكونوا قد خرجوا من البيت للنزهة ؟؟ لا لا فلم يعتادوا على ذلك من يوم أقعد أباه .... هل يمكن أن يكون قد حصل مكروه لجدي المريض ؟؟؟ كلا لأنه لو ذهبوا إليه لن يأخذوا إخوتي الأطفال معهم ! ..... لا بد أن هناك شيئا قد حدث لا بد "
وبينما هو محتار أين ذهب أهله إذا بالجواب عليه من خلفه كلمات متقطعة يملؤها الرعب والخوف
" آه .... آه .... محمود ..... محمود "