رأس ابن هاني أكثر رؤوس الساحل السوري بروزاً. وهو على بعد نحو 10 كم عن مركز مدينة اللاذقية شمالاً. وقد اختير لحسن موقعه وجماله لتشييد منشآت سياحية. وعند مباشرة أعمال حفر الأساسات في التل الأثري الذي يتوسط الرأس، ظهرت معالم أثرية واضحة.
كان رأس ابن هاني يُعرف قديماً باسم «رأس الفنار». وهو على شكل شبه جزيرة ممتدة من الشرق إلى الغرب بطول يقرب من 3كم وعرض وسطي نحو نصف كم. القسم الغربي من شبه الجزيرة هذه صخري، وأساسها حواري ميوسيني أو إيوسيني سابق للحقب الرابع الجيولوجي. وفوق هذا الأساس طبقة حوّارية رملية صفراء. وفوق هذه الطبقة الحوارية تربة رملية حمراء غير سميكة. وفي القسم الشرقي من شبه الجزيرة تختفي الطبقة الحوارية تحت رمال كثيفة نسبياً ترسم خليجين، أحدهما شماليٌّ صغير نسبياً يعرف باسم خليج القبّان، والآخر جنوبي واسع يتصل برأس الخضر.
ونحو نهاية القرن الأول قبل الميلاد، على الراجح، ارتفع مستوى البحر إلى + 1.5م عن المستوى الحالي، فقطع ذراعٌ بحريٌّ القسم الصخري من شبه جزيرة ابن هاني عن اليابسة، ثم ملأت الرمال البحرية هذا الذراع. وبعد ذلك أخذ البحر ينخفض تدريجياً مشكلاً الذراعين الرمليين المذكورين سابقاً وكذلك القسم المنخفض وهو الشكل الذي يُرى الآن تقريباً. .
باشرت بعثة عربية سورية - فرنسية، كانت تضم عدنان البني ونسيب صليبي وجاك وإليزابيت لاغارس، التنقيب في القسم الأوسط من رأس ابن هاني عام 1975 وكان في هذا القسم تل أثري ترتفع ذروته 9م عن سوية البحر الحالية. واتضح للبعثة أنه يضم مدينة أغاريتية ملكية أسست في وقتٍ ما من القرن الرابع عشر أو الثالث عشرق.م، واستولت عليها «شعوب البحر» التي نزحت عن بلاد اليونان إثر اجتياح الدُوريين لها في نهاية القرن الثالث عشر. وهذه المدينة هي في السوية الخامسة من التل. كما يضم التل الأثري سوية أثرية من عصر الحديد الأول(1200 - 900 ق.م) وهي السوية الرابعة. أما السوية الثالثة وهي من عصر الحديد الثاني (900 - 600 ق.م) فلم تعط حتى الآن سوى الفخار وبعض القطع الأثرية. والسوية الثانية هي الهلنستية (أواخر القرن الرابع حتى منتصف الأول ق.م) مختلطة أحياناُ مع بعض آثار الحكم الفارسي (539 - 333ق.م) وهي غير واضحة المعالم حتى الآن في الموقع. وأخيراً فإن السوية الأولى على سطح التل هي من عصر الحكم الروماني والبيزنطي (الثالث حتى السادس الميلادي).
أنشئت المدينة الأغاريتية الجديدة في السوية الخامسة، وفق تخطيط عمراني منظم وفسيح. وكان طول المدينة قرابة كيلومتر، وعرضها نحو نصف كيلومتر. وقد قام بهذا المشروع أحد ملوك أغاريت في بحر القرن الرابع عشر أو في أواخره.
ولايمكن معرفة أسباب إقامة هذه المدينة الأغاريتية بالدقة في الوقت الحاضر. والمكتشف من هذه المدينة الجديدة حتى الآن قصران: جنوبي وشمالي وبينهما حي سكني. رأس ابن هاني، القصر الشمالي، ردهة الاستقبال (القرن 13 ق.م)
وفي عام 1982 حققت البعثة أمراً عظيماً يتصل بالتاريخ الاقتصادي في سورية وفي شرق البحر المتوسط والعالم القديم، وهو العثور على منشأة لصب سبائك البرونز والنحاس المعدَّة لأغراض التجارة والتصدير. تتوسط المنشأة قاعدة حجرية ضخمة منحوتة بشكل جلد ثور لصب السبائك المذكورة بطولٍ يبلغ نحو 60سم، وهي الوحيدة المعروفة في العالم حتى اليوم. ومن المعروف أن سبائك النحاس والبرونز كانت تُصدَّر إلى أنحاء العالم القديم على ذلك الشكل مختومة بخاتم رسمي، كي تكون أساساً للتبادل التجاري أو نقل المعدن المعدِّ للصناعة، وقد وُجدت مثل هذه السبائك في كريت وصقلية وقبرص واليونان والأناضول وأغاريت ومصر. وترى هذه السبائك يحملها السوريون القدماء في مشاهد الهدايا المقدمة لملوك مصر وأمرائها. وما كان أحد يظن أن أغاريت ومدنها كانت من مراكز صنع هذه السبائك وتصديرها. فقد كان المعروف أن قبرص هي المصدرة للنحاس واسمها مشتق منه وبدرجة أقل الأناضول.
ألقى هذا الاكتشاف ضوءاً ساطعاً على نشاط مملكة أغاريت الصناعي والتجاري والدور الاقتصادي للقصر الملكي في أغاريت ومملكتها. ويبدو أن الملك نفسه أو أحد أفراد العائلة المالكة (كالملكة الأم مثلاً) كان يتعاطى مثل هذه الصناعة والتصدير، تحت إشرافه المباشر وتحت الختم الرسمي الذي يشيع الثقة.
وقد تكون هذه المدينة الجاثية في رأس ابن هاني هي مدينة الأنف (آفو في الكنعانية) المذكورة مراراً في النصوص الأغاريتية، أو يكون اسمها أغاريتالبحر (أغاريت يم)، وثمة من يرى أن اسمها بيروت (الآبار في الكنعانية). رأس ابن هاني، القصر الشمالي، قالب صب النحاس (القرن 13 ق.م)
رأس ابن هاني، نماذج من الحلي الأغاريتية، (القرن 13ق.م.
يمكن تمييز مجموعتين سكنيتين واسعتين بينها ممر شمالي جنوبي فرشت أرضه بطبقة من المونة الكلسية، وفي كل من المجموعتين قاعة مفروشة بالفسيفساء البسيطة البيضاء، مكعباتها كبيرة الحجم، ولاتخلو من بعض التزيين الهندسي الذي يتشكل بتغيير وضع المكعبات. وفي المجموعة الشرقية معصرة للزيت، تضم خزانين مليئين بأوان فخارية متنوعة تعطي فكرة عن أنماط الفخار التي كانت مستخدمة في آخر حياة الموقع (القرن السادس الميلادي أو أواخر القرن الخامس).
.
وقد هدمت هذه البلدة التي كانت تقوم على الزراعة والصيد بزلزال أنطاكية الشهير الذي حدث في 528م أيام جوستنيانوس.